ابن الجوزي
93
بستان الواعظين ورياض السامعين
الصحائح . يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ [ آل عمران : 30 ] يوم يندم الظالم ويخسر الآثم ، ويكون الجبار جلّ جلاله في ذلك اليوم العدل الحاكم ، ذلك يوم الندامة والحسرة ، والأهوال والعبرة . وأنشدوا : يا واحدا صمدا بغير قرين * ارحم ضراعة عبدك المسكين واعطف عليّ إذا وقفت مروّعا * حيران بين يديك يوم الدين يا حسرتي بين العباد إذا همو * خافوا الحساب فخف عنهم دوني ما حيليتي في يوم نشر صحيفتي * إذ قيل لي خذها بغير يمين ما حيلتي عند الحساب وهوله * إذ قصّرت بي قوّتي ويقيني لا حيلة عندي ولا لي موثل * إن خانني طمعي وحسن ظنوني يا رب لا تترك عبيدك هالكا * وارحم بفضلك عبرتي وشئوني يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : 30 ] أي تجده حاضرا عتيدا وتسأل عن أعمالك سؤالا شديدا : وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [ آل عمران : 30 ] . قيل الأمد البعيد الذي يود من عمل سوءا وعصى مولاه أن يكون بينه وبين عمله السوء كما بين المشرق والمغرب . وقيل الأمد البعيد الغاية في البعد الذي يتمنى أنه تاب في الدنيا وتبدل الشر بالخير حتى يمحي عنه السوء بالتوبة فلا يراه ولا يسمعه ولا يعاقب عليه إذا رأى التائبين غفر لهم بالتوبة ، وبدلت سيئاتهم بالحسنات والأوبة ، كما قال تعالى : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [ الفرقان : 68 ] الآية . [ « 161 » ] فائدة التوبة وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كل بني آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون » فإذا رأى المسكين الذي عمل السوء وقد أحاطت به الكروب وترادفت عليه الهموم
--> ( 161 ) حديث « كل بني آدم خطاء » . الترمذي : كتاب صفة القيامة والرقائق ، باب ( 49 ) ( 2499 ) من حديث أنس . ابن ماجة : كتاب الزهد ، باب ذكر التوبة ( 4251 ) .